دائما ما كان أبي ( صديقي ) يقول لي " إعقل لسة بدري .. لسه يا ما هتقابل " وكانت امي ( أختي الصغيرة ) تقول لي " بطل لعب .. مش بتحبها ولا حاجة " وكنت أمتعض وأتظاهر بالغضب والثورة من أجل حبي، لكني من داخلي كنت أعلم أن هناك شيئا غير صحيح، أو بمعنى أكثر صراحة .. أنا مش بحب ولا حاجة !
حتى ظهرت حبيبتي في حياتي، لأول مرة لا أرى من المكان إلا شيئا واحدا، شيئا مضيئا لم يؤثر نوره إلا في عيني أنا، وللمرة الأولى لا أتحكم في رد فعلي أو دهشتي وأقف كالتمثال : الله ؟ ما هذا ؟
الأجمل أننا تعرفنا بحكم نشاطي في الكلية وإدارتي لفريق التمثيل به، ونشاطها في مجال مجلات الحائط، وتعددت القاءات والسلامات ولكن
كعادتها لم تكن تسمح لأحد أن يتدخل في حياتها إلا في الإطار التي ترسمه، وكان إطارا واحدا التي تجيد رسمه وهو إطار الزمالة وكان هذا التصرف الأفضل .. فهي جامعة إقليمية لا يجيد فيها الجنسان أن يصلا لمرحلة الصداقة إلا بصعوبة وبعد خسائر فادحة أحيانا !
من هي ؟ هي التي تمشي على الأسفلت برقة ملكة تخشى العبث بملامح وطنها، تتحرك مثل عطر يتطاير بين الزروع التي كانت تبتهج وتستعرض نضارتها إذا ظهرت حبيبتي، كانت أجمل مقطوعات الموسيقى تصمت حرجا إذا تكلمت حبيبتي، فماذا تقول الموسيقى أمام صوت جمع بين الحنان والحب والأمومة، كانت الكلمات تخرج فخورة أن حبيبتي هي التي نطقتها، حتى اسمي الذي كان يتراقص بين شفتيها، يطير في أجواء المكان فرحا منتشيا حتى يصل إلى أذني، كي يهدأ عقلي تماما ويرفع يافطة عدم الاكتراث بكل ما يدور في الحياة .. فقد نطقت اسمي !
حبيبتي جمعت بين شقاوة الطفلة وحياء المرأة وجمال الأنثى، مازلت أتذكر كيف كنت أجلس أتابعها قبل أن تجمعنا اللقاءات فيما بعد، أقول لزميلاتي أنظروا وتعلموا كيف تختاروا ألوانكن مثل هذه الفتاة .. بسم الله ما شاء الله !
كانت أجمل من ارتدى الملابس في الكلية على الإطلاق، بينما كانت الباقيات يتخبطن بين فقاعة الألوان وفجاجة المنظر والتصاق الألياف الصناعية بجلدهن ، كانت تدلف الجامعة بهدوء، ببساطة الملابس رغم غلو ثمنها، ودون إدعاء أو تفاخر، لتحتضن زميلاتها دون افتعال بنات المترو، ودون الصراخ الضاحك لبنات وسط البلد، فقط بابتسامة غاية اللطف أو ضحكة خافتة حسب قرب الصديقة من قلبها.
قوة الشخصية التي تثق في نفسها للحد الذي يجعلك لابد وأن تظل على طبيعتك، دون الدخول في ابتسامات الشباب المسلوقة حين يحادثون فتاة، هدوئها وحسمها لابد وأن تحترم هذا الكائن المنير الذي كان ينزل من السماء كي يدلف من باب الجامعة !
أفكر فيها ليل نهار، فهي أول ما تراه عيني قبل أن أستيقظ، وآخر ما تراه قبل أن أغفل، كلما تغيّر الجو أقلق عليها، أخاف عليها من قسوة الحر ولا مصداقية البرد، أخشى عليها القلق والأرق، هل تتغذى جيدا أم تهمل في صحتها، هل هناك من يعتني بها ويسمع شكواها أم تعاني الوحدة والظلام ؟
والأهم، هل تفكر في كما أفكر فيها؟
هل تتذكر حينما قلت لها إذا نجحت فلابد أن تشعري بالفخر، فقد حركتي في الرغبة أن أكون ناجحا، ناجح يستحقك
والآن أقسم لكي بالله، أني نجحت أ بدأت أنجح لأنني استعنت بالله أن أنجح لكي، ولكني لا أستطيع الحفاظ على هذا النجاح الذي بدأ يتوتر، فأنا لم أعد أحتمل أن أظل هكذا، أحارب كل شيء من أجل أن أنجح، ألا أكترث لصحتي أو لوزني الذي أخذ في الانخفاض، أو أنظر لعلب السجائر الثلاث التي كتبت على رئتي بدخانها كلمة مريض، لم أعد أرى شيئا جميلا بدونك، لم يعد هناك طعم لأي شيء، مر وقت طويل منذ أن شممت عطرا جميلا .. لم أرى من الحياة إلا خرابها ولم أسمع إلا ضوضائها
اشتقت إليكي، وأريدك بجواري فلم أعد أحتمل وأنا الذي لم ينطق هذه العبارة أبدا، لا يفيدني أن يرسل لي الناس رسائلهم الأليكترونية يمدحون فيما كتبته، أو أن يكتشف أقاربي أن هناك من يتابع كتاباتي في مطروح، فهذا النجاح مقسوم على ثلاثة حبي لكي وروحك وقلمي .. أما أنا .. فلا أستحق من الثناء شيئا
كم كنت غبيا عندما قابلتني صديقتك وقالت لي شيئا يشبه أنكما سعدتا بنجاحي ولكنكما لم تجدا وسيلة اتصال، فبدلا من أن أعطيها رقم هاتفي اهتممت بالسؤال عنك وعن صحتك، اغفري لي سهوي فقد كنت في أسوأ حالاتي ولم أكن ذقت النوم لليلتين، لكني فتشت كل أرصفة المصيف بعدها بيوم عندما رأيت سيارة والدك ذات الثلاثة أرقام المكررة المميزة، وظللت لأربعة أيام أجوب الشاطئ كله نهارا والميادين ليلا ولم أراكي.
لكني مسافر إليكي غدا، سأحدثك، فأنا لن أندم على حديثي كما أندم على صمتي وقبولي بكلمتك حين قابلتك آخر مرة .. حينما قلتي الوداع، والوداع ليس له مكان في قاموس حبي لك
اغفري لي جرأتي التي قد تسبب لك حرجا، فرغم أني أعلم خجلك الذي يشبه خجل الورود .. إلا أنني سئمت العيش بين نباتات الصبار


.jpg)

